عبد الرحمن بن محمد البكري

134

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

للدنيا ، والآخرة ثم جاء قوم يؤدونها عند فراغهم من دنياهم لا يدرون لما يعملون ، ولا يعقلون ما يقصدون قد أضاعوا علم النية ، وفقد منهم وجود الخشية ، وكأنك بقوم يؤدونها على دمائهم ، وعادة لأوقاتهم ، ثم يأتي قوم لا يستحيون في تركها ، ويسخرون بمن أقامها . وقال : كان الناس يؤدون الحقوق الواجبة عليهم خوفا من اللّه عز وجل ، ثم جاء قوم يؤدونها ديانة ، ثم جاء قوم يؤدونها مروءة ، ثم جاء قوم يؤدونها حياء ، ثم جاء آخرون يرون حقوق الناس منعها ، وآدائها مغرما لا يوفون بعهد ، ولا يصدقون في وعد . وقال : ابن آدم المسكين لو أحب ربه أطاعه ، ولو أطاعه لم يخالفه ، ولو عرف ربه لاستعان به ، ولو استعان به لم يسلمه ، ولكنه أحب الدنيا ، وآثرها ، وجهل أمر اللّه عز وجل في الآخرة فنسيها « 1 » .

--> ( 1 ) قال الإمام الشعراني : ومما منّ اللّه تبارك وتعالى به علىّ : عملي دائما للطاعات أوائل دخولي في الطريق على تحصيل مقام الصديقية والشهادة ، دون تحصيل طريق الولاية ، بإشارة سيدي على الخواص رضى اللّه تعالى عنه . فإن الصديقية والشهادة من مراتب الولاية ، وهي مرتبة مخصوصة لأقوام مخصوصين ، على عدد مخصوص ، لكن العدد بالمراتب يكون في المرتبتين واحد كالقطب ، وربما يكون الرجلان بمنزلة الرجل الواحد وعكسه ، ولا طريق للولاية ظاهرا حتى تطلب ، إنما هي أخذة تأخذ العبد على أي حالة كان فتنقلب عينه وليا خالصا في أسرع من لمح البصر ، وهذا ليس للعبد فيه تعمل ، لأنه من الوهب لا من الكسب . فعلم أن جميع من يشتغل بالرياضة ويدخل الخلوة طلبا لحصول الولاية مغرور ، وغايته التشبه بالأولياء في المراسم والهبات ، وظواهر الأعمال لا غير ، فهو كالرطب المعمول الذي يحمض ويتلف عن قرب ، بخلاف الولي الخالص ، فإنه كالرطب الجنى لا يزداد على ممر الأيام إلا حلاوة . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول الشخص : اختل وأكثر من الذكر والجوع طلبا للولاية ، فقال له : يا مبارك الحال ، اخرج من هذه الخلوة ، وما قسم لك لا بد من حصوله ، فإن الولاية الخاصة لا تنال بعمل ، لأنهم محبوبون كالأنبياء بالاختصاص الإلهى من غير عمل تقدم . وأما الولاية العامة فقد تنال بعمل كما أشار إليه قوله تعالى : « ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه » فما حصلت محبة الحق لمثل هذا العبد إلا بعد تفعل ، وذلك مذموم في -